الجليز
إبداعات وزخرفة أصيلة
يجب التنبيه إلى ضرورة الفصل بين الخزف والجليز. فالخزف يختص بصناعة أوان صالحة للحياة اليوميّة أو للزينة أمّا الجليز فهو مكوّن من مربّعات تغطـّي الجدران.
وتشهد البلاد اليوم رجوعا لاستعمال الجليز الذي كاد يندثر جرّّاء هجوم البناء الحديث الذي لا يعطي أهميـّة للجمال والزّخرفة بل يقتصر على كلّ ما هو ضروري من المواد البخسة الثمن.
يستعمل الآن الجليز بنماذجه القديمة الأصيلة أو العصريـّة لتأطير الأبواب والنوافذ والواجهات وجدران البيوت ووسطياتها ودكّانات الحدائق. وهذا ما جعل صناعة الجليز تتطوّر تطوّرا هائلا واستقرّ جلّ إنتاجه بالوطن القبلي وبمدينة نابل تحديدا التي حافظت على ورشاتها وأفرانها وطوّرت صناعة الجليز معامل كبرى عصرية تنتج إلى حدّ 20000 مترا مربعا يوميّا.
صناعة الجليز حرفة وتقنية كالتي تباشر في البرتغال وإسبانيا وإيطاليا التي استجلبت منها تلك الصناعة أثناء هجرة الأندلسيين بعد سقوط غرناطة.
ولدخول صناعة الجليز إلى هنا وإلى البلاد قصّة.
عندما قدم الأندلسيون إلى تونس مهاجرين فارّين من بطش المسيحيّين استقرّوا في البلاد خاصّة أثناء عهد عثمان داي الذي وزّع عليهم أراض فلاحيّة وساعد الحرفيّين منهم على نشر صناعتهم كصناعة الشاشية والتطريز والجلود وخاصة الجليز حيث قدم مع الأندلسيّين رجل صالح وعالم وهو كذلك ماهر في صناعة الجليز، سيدي قاسم الجليزي الذي تحول مقامه اليوم إلى متحف ومعهد للخزف. نشر هذا الوليّ الحرفي مع مريديه صناعة الجليز عبر البلاد واستقرّت الأفران في تونس العاصمة وخاصّة بحيّ القلاّلين.
ولمّا طبقت شهرة طين نابل الآفاق في أواخر القرن التاسع عشر تحوّل بعض الحرفيّين من القلاّلين وجربة لتشييد معامل و ورشات هائلة وخلاّقة وخاصّة على يد بعض الحرفيين المستثمرين الأوروبيين واليهود ونخصّ بالذّكر منهم الفرنسي تسييي وزوجته الي مازالت ورشته قائمة لحدّ اليوم بنابل والإيطالي “فركلوس” وخاصّة الإخوة ابني يعقوب شمله اللذين أبدعا في تطوير صناعة الجليز وذلك بالبحوث الطويلة لتحويل أكسيد المعادن إلى ألوان جديدة تحت تأثير حرارة الأفران وقد أبدع هذان الأخوان في صناعة الخزف والجليز إلى أن طبّقت شهرتهما الآفاق ممّا حدا بأحد البايات إلى تكليفهما بترميم عدّة معالم و منها المساجد كما حصل في ترميم مسجد ومقام أبي زمعة البلوي بالقيروان دون أن ننسى الحرفي الماهر بن سدرين الذي تحوّل مشغله إلى مغازات لباس. ولمّا نقل سكان نابل الحرفة عن حرفيي الجليز القادمين من تونس فتحوا ورشات خاصة بهم وأصبحت أسماؤهم مشهورة وأشهرهم سلالة الخرّاز. وهو إسم مرجعه هذه المهنة باللغة المورسكيّة ونذكر على سبيل الذّكر لا الحصر الحرفيّين الذين برعوا في حرفة الجليز والذين تركوا لنا جداريـّات جميلة نصبت وراء بناية معرض نابل قرب مقرّ مندوبيّة السياحة مثل الخرّاز و عبد الرازق والمجدوب وغيرهم.
أصبح الجليز منذ بداية القرن العشرين منتشرا عبر جميع بلدان العالم، فقد صدّر إلى كاليفورنيا و زركش الثـّري الأمريكي “جيلات ” صاحب معمل أدوات الحلاقة قصره بجليز استجلبه من نابل من مشاغل الأخوة يعقوب شمله.
صناعة الجليز حرفة دقيقة، فهي صنع وإبداع ، فالمربّعات الطـّينيّة تنفذ بدقـّة وتحرق بحرفية عالية في أفران خاصّة ثمّ يقع طلاؤها بسوائل كيميائية لمـّاعة وترسم فوقها نماذج من الرّسوم الهندسيّة المستمدّ تزويقها من الخطّ والرسم الهندسي العربيين من تربيع وتسديس وتثمين وكذلك رسوم مرجعيّتها الزّهور وأوراق الشجر وحتّى بعض العصافير. ثمّ تجمع بطريقة إبداعيـّة وبسيطة لتشكّل مساحة تضفي على تناسق مفرداتها جمالا خاصّا. وقد تصنع من الجليز جداريّات جميلة مرجعيـّتها منابر المساجد والأزهار في مزهريـاّتها والطيور مثل الطـّاووس وحتى الحيوانات الكاسرة كالأسد والنـّمر، و استعمل الجليز عبر العقود لتزويق جدران المساجد وبيوتات الأثرياء والمنشآت العمومية كمحطـّات القطار والمدارس والبلديـّات وهو اليوم أحد مصادر العملة الصّعبة إذ يصدّر بكمـّيات هائلة نحو أرجاء العالم والمنطقة العربيّة خصوصا.

