المعمار المحلي الأصيل
القوس والقباب والبياض
اختزن الجنوب التّونسي عبر القرى البربريّة الطـّابع المعماري المحلّي المستوحى من المعمار البوني، وهو متناثر على قمم الجبال في تلك القرى التي مازالت تحمل أسماءها البربرية.
والأمر المدهش حقا، و مازال محطّ بحوث وتساؤلات، هو كيف نقل ذلك الطّابع من الجنوب إلى الشمال؟ هل أن السكـّان الأوائل للوطن القبلي هم بربر أم أنّ هجرات هؤلاء هروبا من الهجمات والغزوات هي التي حملت معها هذا المنوال المعماري؟ إذ أن مدنا كاملة تحمل تسمياتها النـّبرة البربريّة سواء من حيث أسلوب العيش أومن حيث المعمار ولا أدلّ على ذلك من مدن مثل تاغزران وبوكريم و أمّ ذويل ففي تجمّع تازغران يندهش الزائر أمام تركيبة القرية وتخطيط البيوت بداخلها وخارجها وكأنـّها بيوت أفلتت من جبال تونس البربريّة لتحطّ على جنبات جبل سيدي عبد الرحمان العمود الفقري للوطن القبلي.
المتمعّن في معمار مدن مثل قربة و منزل تميم و قليبية يكتشف داخل المدينة التي غزاها الآجر والإسمنت أن الوحدة الأساسية للبيوت هي الغرفة العتيقة بسقفها المقوّس.
وكم يبدو هذا المعمار البسيط في مفرداته المتواضعة و في طبيعة موادّه الأوليّة، غنيّا في نسقه وتناسقه من حيث توزيع الفضاء والتحكـّم في الحرارة والبرد والرطوبة والإضاءة.
ويخلو هذا الطـّابع المعماري من الزّخرفة مقتصرا على أطر من الحجر المنقوش تحيط بالأبواب و جدران بسيطة تشكـّّل في توزيعها وتركيبتها فضاءات تعلوها أسقف رفعت بدون أعمدة واكتفت في بعض الأحيان بأعمدة خشبية: بساطة وعفويّة وجمال تجعل من المنشآت ذات الطّابع المحلي تحفا غير مزوّرة تستمدّ جمالها من ابتعادها عن الحشو والتعقيد.

