المعمار تأصيل وحداثة
علاقة الوطن القبلي بالمعمار علاقة متعة وإبداع إذ اشتهر أهله بتعاطي مهنة البناء والتشييد، ورسّخ تعلّقهم بالحرف اليدويّة ميلهم للإبداع والخلق. فأمهر البنـّائين هم أصيلو الوطن القبلي ويقبل على منتوجهم المواطنون من جميع أنحاء البلاد. ويكتشف المتجوّل عبر أرجاء الرّأس الطيّب أن هذه الجهة احتفظت بجرد كامل لأساليب ومفردات المعمار التونسي من البوني إلى المعاصر مرورا بالبربري والروماني والبيزنطي والإسلامي وصولا إلى التركي والأوروبي.
ومنذ انطلاق السياحة بالمنطقة وتطوّرها المطرد عبر العقود الخمسة الأخيرة تعدّدت المنشآت والبنايات من نزل ومطاعم وتجهيزات عكست خيال المعماريّين والمهندسين الجدد الذين تخـّرجوا من المدارس التونسية فأتت أعمالهم على درجة عالية من الحرفيّة والتجديد في التشكيل والتصميم والتكوين مازجين الحديث بالقديم، ورابطين الأصيل بالكوني مستعملين مواد أساسية مختلفة ومتنوّعة.
وقد تناغمت الأساليب العتيقة المستوحاة من المواقع الأثريّة المنتشرة بالجهة مع الأساليب الجديدة التي فرضها تطوّر المواد الأساسية من حديد وبلّور وخشب مشكّلة نسقا معماريا متكاملا يتجاوب فيه الفضاء الخارجي مع الفضاء الداخلي في رهافة وأناقة سواء في المنشآت العمومية أو الخاصة، التجارية أو السكنية.
تحتفظ القرى والمباني الصغيرة المتناثرة عبر خضرة الوطن القبلي بتحف معمارية، تلك النقاط البيضاء المتلألئة التي تعكسها المساكن الريفيـّة والقرويـّة أو المزارات والزوايا الروحيـّة والصوفيـّة التي تنمّ عن مدى التنوع في أسلوب المعمار التراثي الأصيل الذي تتميـّز وحدته الأساسيـّة بسقفها النـّصف دائري، ما يطلق عليه معمار “الغرفة”. قباب وأقواس مغطـّاة بالجير الطبيعي الأبيض مثيرة للدهشة ببساطتها التي تشكل مصدر جمالها حتّى أنّ المنازل الجديدة الفاخرة استلهمت هذا الأسلوب في التشكيل والتصميم بما يضفي عليها طابعا يفتن الأنظار.
الخطّ، النـّقطة، القوس، الدّائرة، البياض، الضّوء تلك هي مفردات الطّابع المعماري للوطن القبلي الذي مازال استلهامه متواصلا في كلّ أرجاء المدن والقرى التونسيـّة لما ينطوي عليه من سحر ومرونة و تصرّف في الفضاء.
وقد يعود تشبث الوطن القبلي بمثل هذه القباب والأسقف المقوّسة إلى إرث تمتد جذوره إلى المنزع الصوفي و ما ينطوي عليه من بساطة وتقشّف.
ويتساءل المختصّون: كيف أنّ أسلوب بناء القرى البربريـّة بجبال الجنوب انتقل إلى هنا كأسلوب في البناء لا يتطلّب لا عمادا ولا نصبا ولا صقالة ولا أي تجهيزات، أي بناء يرتكز على البصر والرؤية ومهارة اليد فقط اعتمادا على الحجارة البسيطة والقوالب الطـّينية والجير الصّخري.
يضاف إلى ذلك فنّ النـّقش على الحجر الذي ركّزه الحفصيـّون كما تشهد على ذلك العديد من المشاغل والورشات بمدينة دار شعبان الفهري التي منحت إلى هذا الفنّ اسمها.
وتدلّ محاجر الهواريـّة على أنّ استعمال الحجارة الكبيرة وتطويعها للبناء ضارب في القدم كما تبينه المواقع الأثرية التي لم تطلها يد المهدّمين وتمّ استعمالها كمحاجر أعيدت مكوّناتها في البيوت الجديدة كما توحي به أطر بعض الأبواب الخارجيّة عبر كلّ مدن الوطن القبلي التي زيـّنت بنقوش رومانيـّة أو بيزنطيـّة.
وقد مارس أهالي الرّأس الطيب مهنة النجارة والنـّشارة وذلك منذ العصور القديمة بحكم قربه من صقليـّة التي كان يجلب منها وعن طريقها الخشب كما كان يفعل الرّومان ثمّ الأغالبة فالحفصيـّون لصنع المراكب والبواخر ثمّ الأبواب والشبابيك وكلّ قطع الأثاث.
وقد اشتهرت مدن مثل قليبية ومنزل تميم وحمام الأغزاز بفنّ النجارة وثلاثتها تحتوي اليوم على المئات من ورشات النجارة التي يباع منتوجها عبر جميع أرجاء البلاد التونسية. كما تطوّر فنّ الحدادة الذي كان يمارس لصنع الآلات من محاريث وحلق وأعمدة الأبواب وجلّ آلات الطـّبخ والبناء وتحول ذلك الفن إلى ما يسمّى بالحدادة الفنيـّة الذي تميـّز به الوطن القبلي حتى أصبح منتوجها يروّج داخل الجمهوريـّة ويصدّر إلى جلّ أنحاء العالم من مصابيح وشمعدانات وتحف فنـّية وأثاث للمطبخ والحدائق وبيوت النـّوم .
أمـّا فنّ الخزف فهو اختصاص هذه المنطقة بامتياز، من الخزف العادي كوسائل الطبخ والمائدة إلى الجليز الذي أدخله الأندلسيّون عندما استوطنوا تونس بالقلاّّلين قبل انتقالهم إلى مدينة نابل وتكاد تكون نابل والمدن المجاورة لها عاصمة الخزف والفخّار والجليز.
هكذا يبدو الوطن القبلي مصدر جلّ المواد الأوّلية للبناء والتشييد والتزويق في فنّ المعمار ولا أدلّ على ذلك من حجارة دار شعبان المنقوشة ولوحات الجليز البديعة في البيوت والمساجد والبنايات العامّة.
والمتمعّن في استغلال الفضاء في بيوت الوطن القبلي وتخطيط المساكن، يتأكّد أنّ ذلك الأسلوب مستوحى من المعمار البوني والرّوماني ثمّ تطوّر بقدوم الفنّ الإسلامي دون أن يتخلّى عن الأسلوب البربري المدهش.
ويبدو تخطيط البهو والمعمار في تركيبة البيوت وتصريف المياه واتجاه المساحات حسب استعمالها في كلّ فصل والتّحكم في التغيّرات الحراريّة وكأنه استنبط من بيوتات مدينة كركوان.
يعتمد تخطيط المنازل على بيوت ذات فناء مربّع أو مستطيل داخلي تفتح عليه الغرف و السقيفة على شاكلة أسلوب اُستجلب من المدينة العراقية في ما بين النهرين واحتفظت به العمارة البونية كما هو بارز اليوم في مدينة كركوان ثمّ انتشر ذلك النموذج المعماري داخل كلّ البلاد. ومهما كان حجم المنزل صغيرا أو متّسعا، متواضعا أو شامخا فإنّه يعتمد دوما على تخطيط أساسي ومحكم في توزيع المكونات : بيوت مزخرفة وأطر أبواب وشـبابيك منحوتة وفضاءات الحياة اليوميّة محكمة الإعداد وهو ما تواصل اعتماده إلى حدّ اليوم.
وأهمّ طابع لتلك المنازل التوزيع المحكم والتوظيف الدقيق للفضاء من بيوت وحمّامات ومطابخ وأماكن عمل وإعداد المؤونة وآداب الجلوس والنّوم وحتّى مرابض الحيوانات، وذلك حسب اتـّجاه الشـّمس والريح وتقلبات الفصول وجرت العادة أن تحاذي المنزل ورشة اختصاص صاحب البيت.
أمّا المعمار الأصيل والمحلّي فهو موزّع عبر كلّ مناطق الوطن القبلي ويتميّز بخطوطه البسيطة وأحجامه المتناسقة والمستجيبة لتغيّرات الـطـّقس وتوظيف الفضاء في الحياة اليومية إن كان للعمل أو لمجرّد السّكن.
يتجلـّى ذلك الطـّابع في مدن صغيرة تحمل إلى اليوم أسماء بربريـّة مثل تازغران وبوكريم وغيرها وهي مفردات معماريـّة مدهشة لدقّة تشييدها وبساطة تنفيذها وجمال أحجامها ممّا جعل المعماريّين والمهندسين والبنـّائين يستعيرون تلك المفردات لإدماجها في المباني الحديثة وحتّى في المنشآت الكبرى من نزل ومدارس ومؤسّسات عامّة.
وأدخل العرب والمسلمون لمساتهم في التّخطيط العمراني وأسلوب التشييد بنقلهم لمفهوم المدينة في دمشق وبغداد فجاء تخطيط المدينة وتوزيع منشآتها موحّدا من مساجد وسراديب وأزقّة وأسواق وحمّامات وورشات وممرّات مغطـّاة وأقواس. حقّّق هذا الطابع اكتماله بقدوم الأندلسيّين الذين نشروا رهافة حسهم وحسن استعمالهم للخزف والجليز بألوانه الزّاهية.
ومنذ مطلع القرن العشرين خلق استيطان المعمّرين ومن تلاهم من جنسيّات أخرى (إيطاليـّون ومالطيـّون ويهود الأندلس وأصليو مدينة ليفورن) أسلوبا جديدا سمّي : العربي / البيزنطي يقوم على إعادة استعمال المفردات المعماريّة المحلية من أقواس وبياض وزرقة وجليز مع إضافة الأسلوب الأوروبي في توزيع الفضاءات وتناسق الأحجام، وها هي اليوم عدّة مبان تتوزّع على العديد من المدن شواهد على معمار ذلك العصر من خلال محطـّات سكك الحديد ومقرّات البلديّات والمدارس والمستشفيات التي عانقت فيها المشربيّة الشـّرفات الأوروبيـّة وتناغم أسلوب النـّجارة مع استعمال الحديد في تطوير أطر الأبواب واستعمال الجليز في الواجهات.
يلاحظ المتمعّن في المساكن التي شيّدها المعمّرون في الوطن القبلي تناثر مبان مدهشة عبر الحقول والضيعات ذات أسلوب يذكّر بمساكن جنوب إيطاليا وفرنسا لمّا تمّ تعميم سقف القرميد.
عندما بدأ تطوّر السياحة وما تتطلّبه من منشآت، برهن المعماريّون المحلّيون على خيال واسع وتجديد في الممارسة انطلاقا من نماذج معماريّة شيّدها أثرياء أجانب استقرّوا على ضفاف المدن البحريّة وصمّموا مباني تتّمازج فيها الأساليب والمواد وتشكيلات الفضاء في نسق محكم ممّا أضفى على المجال المعماري أسلوبا يختلف هنا عن كلّ التجمّعات الحضريّة في البلاد.
واليوم بدأت مبان جديدة معتمدة على التخطيط العصري و على متطّلبات المواد الجديدة من بلّور وحديد.
انطلاقا من هذا التطوّر المعماري وحداثة أساليبه وتعددها الّتي تم استلهامها مما تركته الحضارات المتتالية من بصمات على المنطقة فإنّ الوطن القبلي يعتبر متحفا في الهواء الطّلق وواجهة لجلّ الأساليب المعماريّة في البلاد التونسيّة.

