معمار عهد الحماية
تمازج المحلّي والمستجلب
لمّا قدم المعمّرون من أوروبا وخاصّة فرنسا الغازية واستقرّ الاستعمار، بدأ المشهد المعماري يتغيّر. انصرف العمرون أوّلا إلى تشييد البنايات العمومية كمحطات القطار والمدارس والكنائس والإدارات والمستشفيات ومقرّات السلطة الجديدة وأنجزت تلك المنشآت معماريّا على طراز جديد ليس بالمحلّي وليس بالأوروبي وهو ما سمّاه المختصّون في الهندسة المعماريّة الأسلوب ” العربي البزنطي” أو الأسلوب “الأوروبي المستعرب”.
لئن كانت الأسس والدّعائم مستحدثة بانتشار استعمال الحديد في الأركان والسقوف واستبدال الصّخور بالآجر وتعميم الإسمنت فإن التزويق والتنميق والمكمّلات استوحاها مصمّموها من المفردات المعماريّة التي وجدوها على عين المكان فطوّروا القوس والأطر والنّوافذ والأبواب. وإن أدخلوا مفهوم “البلكونة” (الشـّرفة) المتداول في معمار جنوب أوروبا فإنهم احتفظوا بالمشربيّة و”القنـّارية” العباسية الأصل كما طوروا الأقواس بطريقة جديدة بواسطة الأسطوانات والتيجان إلى جانب تخشيش الخشب كما أصبح استعمال الحديد للنّوافذ والتسييج متداولا؛ وتوجد في مختلف التجمّعات السّكنيّة في أطراف الوطن القبلي نماذج من ذلك المعمار مثل مقرّ المراقب بمدينة قرنبالية ومدرسة الذكور “بالمحفر” بنابل التي لا تبعد عن مبنى مقر البلديّة القديم الذي يعد نموذجا لذلك الطّراز المعماري المهجّن.
قد يستغرب الزائر عندما يكتشف تفرّد بعض البنايات المتناثرة بين الحقول أو على ضفاف البحر، مثل ذلك المسكن الطريف الذي يطلّ على البحر فوق هضبة بمرسى النخلة بمنطقة تاكلسة وكأنّه حصن روماني شيّده صاحبه المعمّر باستعمال حجارة الآثار التي بنى على أنقاضها ذلك المسكن أو ذلك المبنى المدهش المشيد على مرتفع بضيعة بالكلبيّة القديمة التي أصبحت الكرمية و أتى معماره مزيجا من طراز المباني السكنية الإيطالية والأسلوب العربي الأندلسي.
و تفرّدت المباني العامّة أيضا في تشييدها كالكنائس مثل كنيسة صغيرة بشمّاس ومعصرة الخمور بضياع نفريس في منقطة خنقة الحجّاج.
والمتجوّل عبر ريف الوطن القبلي وبين ضيعات العنب والزيتون والبرتقال يكتشف من حين إلى آخر سقوف القرميد الشاهدة على أن المعمار قد تخلـّى على مدى ثلاثة أرباع قرن من الاستعمار، عن الماضي المعماري المحلي البسيط كما تدل سقوف القرميد الأوروبيّة على ذلك .

