الطراز المعماري الحديث
تناغم الكوني والمحلّي
حتـّمت نهضة السياحة الجماعية في المنطقة منذ أوائل الستينات تسارعا في متطلبات تشييد المنشآت السياحية من نزل ومطاعم ومنتزهات ومقاهي لاستيعاب الأعداد الهائلة من السكان والوافدين فكان أن سيطر على المشهد المعماري الممتد على ضفاف البحر الطراز المسمّى بالمعمار الكوني، وهو معمار يعتمد السّرعة في التنفيذ والحدّ من الكلفة واستعمال مواد سهلة التطويع وقد جنحت هذه الموجة من التخطيط المعماري إلى المكعّبات وكأنّها شيّدت مؤقتا وتكونت من مركبات متكررة احتوت على مكونات عملية دون إعطاء أهمية كبرى للمظهر الخارجي مقابل التأكيد على الرّاحة والرّفاهة الداخليتين وخاصّة المساحات الخضراء والمسابح وما جاورها من سطوح ومصاطب وشرفات وأرصفة.
لكن بعد عقد واحد بدأ المعماريّون والمهندسون المحلـّيون الشـّبان المتشبـّعون بالثـّقافة العربية الإسلامية في البحث عن أساليب معمارية مغايرة خاصة بعد الصّرخة المدوية الـّتي أطلقها المهندس المعماري الشهير “حسن فتحي” الذي نادى بإعادة استعمال المواد المحلية والمفردات الأصيلة في المعمار المعاصر إلى أن لاقت نظريـّات حسن فتحي آذانا صاغية وأصبح له مريدون في كلّ أنحـاء العالم العربي وكذلك بعد أن اكتشف هؤلاء المهندسون الشبّان أهميّة العودة إلى المنابع المعمارية الأصيلة وروعتها بعد أن شيّد المهندس العراقي جواد الشدرجي المنصوريّة في بغداد والمؤسّسات القومية في العراق وبعض النـّزل والجامعات بإعادة استعمال الآجر الطـيّني المحروق.
هكذا برز طراز جديد من العمارات والنـّزل يعتمد على تقنيات البناء الحديثة دون أن يتخلـّى عن المفردات التزويقية الأصيلة مثل حجارة دار شعبان المنقوشة أو المشربيـّات والشـّناشيل واستجلاب وحدات معماريّة مستوحاة من قرى سيدي بوسعيد أو من السّاحل أومن جزيرة جربة دون التنكر لمعمار الوطن القبلي الأصيل وما هو عليه من ثراء وتنوّع وانفراد فانتشرت عبر كل جهات الرأس الطيب إعادة استعمال الفخّار والجليز والقرميد الأندلسي إلى جانب القوائم المستوحاة من جوامع القيروان وسوسة وتركيبة مباني الرّباطات والأسوار بسوسة والمنستير والحمامات وترك الخطّ المستقيم مكانه للقوس وبدأ المربّع البسيط يترك للدّائرة مكانه وتحوّل التسطيح السّاذج إلى قباب.
وهكذا وقع الرّجوع إلى المدرسة المعماريّة المحليّة الفـطريّة أو ما يسمّى بالمعمار دون معماريّ ومهندس.
وأخذت اليوم موجة البلّور والأليميمنيوم التربّع على واجهات البنايات الجديدة ولأن كان البلّور الملوّن يحيل على الحداثة فإن القوس يبقى سيّد الموقف.
وأن أصبحت الأعمدة الهائلة تدعم البنايات الجديدة فإن استعمال الفسيفساء والنـّقوش ليست بالغائبة.
ومن بين المنشآت التي اعتمدت أسلوب الحداثة الكاملة نذكر نموذجين : مركز التكوين في مهن فنون اللهب بنابل ومسجد بمدخل منزل بوزلفة الذي استوحى مصمّمه شكله ولونه من البرتقال رمز تلك المدينة.

